فخر الدين الرازي

130

تفسير الرازي

لكل واحد منهما بإضرار الولد إضرار الآخر ، فكان ذلك في الحقيقة مضارة . المسألة الثالثة : قوله : * ( لا تضار والدة بولدها ) * وإن كان خبراً في الظاهر ، لكن المراد منه النهي ، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع ، وترك التعهد والحفظ . وقوله : * ( ولا مولود له بولده ) * يتناول كل المضار ، وذلك بأن يمنع الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو بأن يسيء العشرة فيحملها ذلك على إضرارها بالولد ، فكل ذلك داخل في هذا النهي والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وعلى الوارث مثل ذلك ) * فاعلم أنه لما تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى واحد من هؤلاء ، والعلماء لم يدعوا وجهاً يمكن القول به إلا وقال به بعضهم . فالقول الأول : وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد وارث الأب ، وذلك لأن قوله : * ( وعلى الوارث مثل ذلك ) * معطوف على قوله : * ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) * وما بينهما اعتراض لبيان المعروف ، والمعنى أن المولود له إن مات فعلى وارثه مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة ، يعني إن مات المولود له لزم وارثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور ، وهو رعاية المعروف وتجنب الضرار ، قال أبو مسلم الأصفهاني هذا القول ضعيف ، لأنا إذا حملنا اللفظ على وارث الولد والولد أيضاً وارثه ، أدى إلى وجوب نفقته على غيره ، حال ماله مال ينفق منه وإن هذا غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي إذا ورث من أبيه مالاً فإنه يحتاج إلى من يقوم بتعهده وينفق ذلك المال عليه بالمعروف ، ويدفع الضرار عنه ، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب . القول الثاني : أن المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه أي وارث هو ؟ فقيل : هو العصبات دون الأم ، والأخوة من الأم ، وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم وقيل : هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث ، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ، قالوا : النفقة على قدر الميراث ، وقيل : الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أن لا فضل بين وارث ووارث ، لأنه تعالى أطلق اللفظ فغير ذي الرحم بمنزلة ذي الرحم ، كما أن البعيد كالقريب ، والنساء كالرجال ، ولولا أن الأم خرجت من ذلك من حيث مر ذكرها بإيجاب الحق